العقدة المستعصية والسيناريوهات المرعبة

‪ ‬‬ حسن نافعة تصر حكومة نتنياهو على استسلام جميع الفصائل الفلسطينية المسلحة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق، من وجهة نظرها، إلا بتجريد جميع هذه الفصائل من أسلحتها ونفي قادتها إلى خارج القطاع‪.‬‬ الاحتجاج الجماهيري داخل الكيان الصهيوني تصاعدت حركة الاحتجاج الجماهيري داخل الكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة. ورغم أنها تعتبر نتنياهو مسؤولاً عن …

أغسطس 30, 2025 - 08:42
 0
العقدة المستعصية والسيناريوهات المرعبة

‪ ‬‬
حسن نافعة

تصر حكومة نتنياهو على استسلام جميع الفصائل الفلسطينية المسلحة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق، من وجهة نظرها، إلا بتجريد جميع هذه الفصائل من أسلحتها ونفي قادتها إلى خارج القطاع‪.‬‬

الاحتجاج الجماهيري داخل الكيان الصهيوني

تصاعدت حركة الاحتجاج الجماهيري داخل الكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة. ورغم أنها تعتبر نتنياهو مسؤولاً عن عدم التوصل إلى اتفاق مع حماس يؤدي إلى الإفراج عن الرهائن المحتجزين في قطاع غزة، وتتهمه شخصياً بالحرص على البقاء في السلطة أكثر من حرصه على حياة وسلامة الرهائن، إلا أنها ليست قادرة على إطاحته‪.‬‬
بالتوازي مع ضعف الحراك الجماهيري، تبدو المعارضة الرسمية ضعيفة أيضاً وغير قادرة على حشد أغلبية برلمانية تكفي لسحب الثقة من الحكومة الحالية المتماسكة حتى الآن، وبالتالي، غير قابلة للسقوط لا من خلال الشارع ولا من خلال الكنيست، ما يفسّر عناد نتنياهو وقدرته على التلاعب بالجميع‪.‬‬
للخروج من هذا المأزق، تظهر بين الحين والآخر رموز سياسية معارضة، تبادر بتقديم مقترحات تستهدف إقناع نتنياهو بالتخلص من الجناح الأكثر تطرفاً وتأليف حكومة جديدة خالية من العناصر المعارضة لإبرام اتفاق مع حماس، وتلتزم بتوفير “شبكة أمان” تضمن له الاستمرار في السلطة كرئيس لهذه الحكومة، إلى أن يتم الاتفاق على موعد ملائم لإجراء انتخابات جديدة، سواء كانت مبكرة أو في موعدها الطبيعي. ويعتبر بني غانتس، وزير الدفاع السابق، آخر هذه الرموز. فقد تقدم منذ عدة أيام بمقترحات لتأليف حكومة لا يشارك فيها اليمين الديني المتطرف، تتولى إدارة شؤون البلاد مدة ستة أشهر، على أن تكون مهمتها الأساسية، وربما الوحيدة، هي التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إطلاق سراح الرهائن‪.‬‬
تجدر الإشارة هنا إلى أنه سبق لبني غانتس أن شارك في الحكومة التي يطالب الآن بتغييرها. ولتبرير هذه الخطوة، ادعى أن مشاركته آنذاك ينبغي ألّا يُنظر إليها باعتبارها “شراكة سياسية”، وإنما كانت واجباً يمليه “الحرص على المصير المشترك” بعد ما جرى في 7/10/2023‪.‬‬

رؤية استراتيجية

صحيح أنه انسحب من هذه الحكومة في جوان عام 2024، معلّلاً ذلك بعد وجود “رؤية استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب”، وبأن تصرفات الحكومة لا تتيح “التقدم على طريق تحقيق نصر حقيقي”. وبصرف النظرعن حقيقة الدوافع المحرّكة لهذا النوع من المواقف السياسية، إلا أن الاقتراح الذي تقدم به غانتس مؤخراً، والذي يقضي بتأليف حكومة لا يشارك فيها اليمين الديني المتطرف، لن يفلح بالضرورة في إنهاء الأزمة الراهنة، حتى لو تمكنت الحكومة الجديدة من التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى استعادة الرهائن‪.‬‬
لنفترض جدلاً بأن لابيد وليبرمان سيستجيبان لدعوته، وبالتالي سيقبلان الدخول في تشكيل حكومي جديد، يخلو من بن غفير وسموتريتش، وأن هذا التشكيل سينجح فعلاً في التوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف مؤقت لإطلاق النار مدة ستين يوماً، وبالتالي في استعادة نصف الرهائن الأحياء والأموات، وأن المفاوضات المتعلقة بالوقف الدائم لإطلاق النار ستبدأ فور دخول الاتفاق المؤقت حيز التنفيذ‪.‬‬
هنا ستظهر عقبتان رئيسيتان ينبغي التغلب عليهما معاً، نزع سلاح حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، وهو أمر يستحيل قبوله إلا بعد التوصل إلى خطة مضمونة دولياً لتسوية القضية الفلسطينية، أي بعد إزالة العقبة التي يستحيل التغلب عليها إلا عبر أحد بديلين لا ثالث لهما: قيام دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي المحتلة عام 1967عاصمتها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئيين إلى ديارهم والتعويض عن ممتلكاتهم، أو دمج الفلسطينيين واليهود في دولة موحدة ثنائية القومية، يتعايشون فيها معاً ويتمتعون فيها بحقوق متساوية في المجالات كافة. ولأنه يستحيل على أي حكومة صهيونية قبول أي من هذين البديلين، فسوف يكون التعويل على قدرة الحكومة التي يقترح بني غانتس تأليفها على إيجاد مخرج من المأزق الراهن بمنزلة جري وراء سراب‪.‬‬

استسلام جميع الفصائل الفلسطينية

‪ ‬تصر حكومة نتنياهو الحالية على استسلام جميع الفصائل الفلسطينية المسلحة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق، من وجهة نظرها، إلا بتجريد جميع هذه الفصائل من أسلحتها ونفي قادتها إلى خارج القطاع‪.‬‬‬
فإذا افترضنا جدلاً بأن استبعاد العناصر المتطرفين من هذه الحكومة سيدفع الحكومة الجديدة لتبني مواقف أكثر مرونة، والموافقة بالتالي على انسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم مهمة حفظ الأمن في قطاع غزة لقوات دولية وعربية مشتركة، وأيضاً على إسناد إدارة القطاع إلى لجنة من التكنوقراط الذين لا ينتمون إلى أي من الفصائل السياسية الفلسطينية، لكن ماذا عن نزع سلاح الفصائل الذي يحظى بتأييد الأغلبية، إن لم يكن بالإجماع، بين جمهور الكيان؟‪.‬‬
المقترح الأكثر رواجاً يطالب بإسناد هذه المهمة، أي مهمة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، إلى القوات العربية التي ستشارك في حفظ السلم والأمن، والتي يُفترض أن تعمل تحت غطاء أممي. غير أنه اقتراح شديد الخطورة، لأنه سيؤدي إلى دخول الجيوش العربية في مواجهة مسلحة مع المقاومة الفلسطينية لحساب “إسرائيل”، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً‪.‬‬
لذا فلن يكون هناك حل لهذه المعضلة إلا بتخلي الحكومة الإسرائيلية عن هذا الاقتراح، واستبداله بمفهوم آخر هو “تجميد السلاح”، ما يعني التزام فصائل المقاومة الفلسطينية بعدم استخدام السلاح خلال الفترة الانتقالية التي يفترض أن تجري خلالها مفاوضات تستهدف البحث عن تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، مقابل التزام “إسرائيل” بوقف إطلاق النار، ما يعيد تذكيرنا من جديد بأن “تسوية القضية الفلسطينية” هي العقدة المستعصية التي ينبغي أن تتضافر الجهود لإيجاد حل مقبول لها. ولأننا على يقين بأن الحكومة التي يقترح بني غانتس تأليفها، ليس لديها أي تصور حول تسوية مقبولة لهذه القضية، بل ولا ترغب في ذلك، فسوف يعود الجميع إلى الدوران في حلقة مفرغة، سواء استمرت حكومة نتنياهو الحالية أم جاءت أي حكومة صهيونية جديدة‪.‬‬

لنفترض جدلاً أن جميع الأطراف المعنيين توصلوا بالفعل إلى اتفاق يقضي بوقف مؤقت لإطلاق النار، يفضي إلى وقف دائم في مرحلة لاحقة، ويستند إلى‪:‬‬
1‪- ‬تولّي لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين المستقلين إدارة القطاع خلال مرحلة انتقالية يتم الاتفاق على مدتها الزمنية. 2- دخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية وضمان توزيعها عبر مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المرتبطة بها‪.‬‬‬
3‪- ‬تولّي قوات شرطة فلسطينية مدربة في مصر والأردن مهمة الحفاظ على الأمن الداخلي‪.‬‬‬
4‪- ‬تولّي قوات دولية وعربية مهمة تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وضمان عدم انتهاكه من جانب أي من الطرفين المتصارعين‪.‬‬‬
5‪- ‬البدء فوراً بإزالة الأنقاض تمهيداً للشروع في إعمار القطاع‪.‬‬‬

طي صفحة الأزمة

لا شك في أن الاتفاق على كل تلك الخطوات يساعد كثيراً على تهدئة الهدوء المطلوب للتطلع بأمل نحو المستقبل، لكنه لا يكفي لطي صفحة الأزمة التي فجرت الصراع منذ البداية، وأقصد بذلك الأزمة الناجمة عن احتلال الكيان الصهيوني لأرض الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، من دون الاعتراف حتى بوجوده‪.‬‬
وهنا يكمن جوهر القضية التي تحتاج إلى حل. فنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وترحيل قياداتها إلى خارج القطاع، من دون تقديم ضمانات دولية مؤكدة بقيام دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، لن يكون له سوى معنى واحد، وهو أن نزع سلاح المقاومة يساوي بالضبط تصفية القضية الفلسطينية نهائياً. لذا يقضي المنطق السليم بضرورة الاكتفاء بتجميد هذا السلاح، بدلاً من نزعه، إلى أن يتم التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية عبر مفاوضات تجري خلال فترة انتقالية، خصوصاً وأن الخطوة المنطقية التالية ينبغي أن تركز على البحث عن أفضل الوسائل التي تضمن دمج الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل الكيان الذي يفترض أن يجسد التسوية المأمولة للقضية الفلسطينية على أرض الواقع. ولأننا على يقين من أن المجتمع الصهيوني، بتركيبته الحالية لا يمكنه إفراز حكومة مستعدة للقبول بهذا المنطق، لا يساورنا أي شك بأن الأزمة الحالية مرشحة للاستمرار لفترة طويلة مقبلة‪.‬‬

حل العقدة المستعصية

خروج بن غفير وسموتريتش من الحكومة الحالية في “إسرائيل” وتأليف حكومة جديدة برئاسة نتنياهو، وهو أمر مستبعد على كل حال، لن يؤدي إلى حل العقدة المستعصية. ولأن المجتمع الصهيوني لا يعنيه في الوقت الراهن سوى استعادة الرهائن، وليس جاهزاً أو مستعداً لتسوية من أي نوع للقضية الفلسطينية، لا عبر إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولا عبر الدمج داخل كيان يتمتع جميع مواطنيه بحقوق متساوية، على العالم العربي أن يكفّ عن الجري وراء سراب التسوية، وتركيز جهده على كيفية إنقاذ الشعب الفلسطيني من خطر الإبادة والتجويع، وهو ما لن يتأتى من خلال تقديم المزيد من التنازلات، وإنما من خلال استخدام كل أوراق الضغط التي يمتلكها، بدءاً بسحب السفراء وتجميد التطبيع، وانتهاءً بالتلويح باستخدام القوة المسلحة في حال إصرر الكيان الصهيوني على مواصلة حرب الإبادة والتجويع والتهجير القسري للشعب الفلسطيني. وأظن أنه آن الأوان كي تدرك جميع الدول العربية والإسلامية أن نتنياهو يصرّ لا على هزيمة حماس فحسب، وإنما أيضاً على إقامة دولة “إسرائيل الكبرى”، بل ويعتقد أن المرحلة الراهنة هي الأنسب لإقامة هذه الدولة، التي سيصبح حتماً هو ملكها المتوج، خصوصاً إذا نجح في بناء “الهيكل الثالث”، وهو الحلم الذي يراوده فعلاً لا مجازاً‪.‬‬

خيار شمشون

يؤمن نتنياهو إيماناً عميقاً بأن “إسرائيل” دولة غير قابلة للهزيمة، ليس لأن لديها ترسانة نووية فحسب، خصوصاً وأنه جاهز الآن نفسياً وعقلياً لاستخدام “خيار شمشون” إذا ما لزم الأمر، ولكن أيضاً، وعلى وجه الخصوص، لأنه يدرك يقيناً أنه لن يعثر على رئيس أميركي آخر أفضل من ترامب، الذي أعطاه منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى السلطة ضوءاً أخضر “لإنهاء المهمة”. لذا لا تستغربوا أبداً إن هو قرر لا الاستمرار في حرب غزة فحسب، وإنما أيضاً في شن حملات عسكرية جديدة على كل من إيران وحزب الله، للخلاص نهائياً من محور المقاومة. فهل الدول العربية والإسلامية جاهزة لمثل هذه السيناريوهات المرعبة؟‪!!!.‬‬