ربيع الأنوار.. مشاعر وأشواق
صحيح أنّه لم يرد في ربيع الأوّل فضل مخصوص، ولم يختصه الشرع بعبادة مخصوصة، ولكنْ يكفيه شرفا أنْ ولد فيه خاتم الأنبياء وخير خلق الله، وفيه ازدانت الدنيا وأشرق الكون بالنّور الهادي -عليه الصلاة والسلام- الذي قال: “أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور […] The post ربيع الأنوار.. مشاعر وأشواق appeared first on الشروق أونلاين.


صحيح أنّه لم يرد في ربيع الأوّل فضل مخصوص، ولم يختصه الشرع بعبادة مخصوصة، ولكنْ يكفيه شرفا أنْ ولد فيه خاتم الأنبياء وخير خلق الله، وفيه ازدانت الدنيا وأشرق الكون بالنّور الهادي -عليه الصلاة والسلام- الذي قال: “أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام”.. ونحن المسلمين لا نعظّم شهر ربيع الأوّل بطاعة مخصوصة تؤديها الجوارح الظّاهرة، ولكنّنا نحييه بشكر الله مولانا –سبحانه- على ميلاد هذا النبيّ الذي أخرجنا -بإذن ربّه- من الظّلمات إلى النّور، وجاءنا بأعظم كتاب به سعادة الدنيا والآخرة، وهدانا به صراطا مستقيما. ونحييه بتذاكر شمائل حبيبنا الذي اشتقنا لرؤيتنا وتاقت أرواحنا للقياه.
النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- حينما سئل عن صوم الاثنين؟ قال: “فيه ولدت وفيه أنزل عليّ”.. احتفى -عليه الصّلاة والسّلام- بيوم ولادته وبعثته بأن كان يصومه شكرا لله. فما المانع من أن نحتفي نحن – كذلك – بالشّهر الذي ولد فيه، ولمَ لا باليوم الذي ولد فيه من شهر ربيع الأول، وقد ذكرت كتب السير أنّ السّماء تزيّنت فيه بظهور “نجم أحمد” الذي رآه اليهود في المدينة فعرفوا أنّ زمان النبيّ الخاتم قد أزف.
نحن لا نقرّ أشكال الاحتفالات التي ابتدعها بعض المسلمين بما لا يمتّ إلى دين الله بصلة، ولكنّنا ندعو إلى الاحتفاء بشكر المولى –سبحانه- على منّته بميلاد هادينا وبعثة شفيعنا عليه الصّلاة والسّلام، وبتذاكر سيرته وشمائله والتواصي بلزوم غرزه وسنّته: في سنن النسائي أن رسول الله –صـلى الله عليه وسلم- خرج يوما على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا ندعوا الله ونحمده، على ما هدانا لدينه ومن علينا بك. قال: “آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟” قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: “أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وإنما أتاني جبريل -عليه السلام- فأخبرني أن الله -عز وجل- يباهي بكم الملائكة”.
مخطئ من يلوم المسلمين على إظهار فرحهم بيوم ميلاد حبيبهم المصطفى –عليه الصّلاة والسّلام-؛ فالعواطف والمشاعر، لا تضبط بضابط آخر غير الإطار العام للحلال والحرام.. المسلم حينما يجد في روحه شوقا للقيا حبيبه -عليه الصّلاة والسّلام- ويحنّ قلبه لأن تلتذّ عينه برؤياه ويهنأ بمعانقته، فإنّه ربّما يعبّر عن شوقه بدمع عينيه، وربّما بدعوات يرفعها أو بأهازيج يردّدها. وما الضير في أن يقوى هذا الشوق ويزداد هذا الحنين في ذكرى ميلاده -عليه الصّلاة والسّلام-: في صحيح مسلم أنّ النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- قال: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُم”. وفي صحيح مسلم –كذلك- أنّه -عليه الصلاة والسلام- قال: “مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِه”.
نسينا في ودادك كلَّ غال * فأنتَ اليومَ أغلى ما لدينا
نلامُ على محبتكم ويكفي * لنا شرفٌ نلام وما علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً * يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلّى الناس بالدنيا وإنا * لعمر الله بعدك ما سلينا.
الصّحابة –رضـي لله عنهم- اكتحلت أعينهم برؤية النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، ولامست أيديهم يده الشريفة، وعانقهم وعانقوه، ومسح على مناكبهم، وابتسم إليهم وابتسموا إليه، وكلّمهم وكلّموه.. وحينما رحل من بينهم والتحق بالرّفيق الأعلى، لكأنّما كلّ واحد منهم فقد أهله جميعا.. وكانوا بعد وفاته يعبّرون عن شوقهم إليه وحنينهم إلى وجهه الأنور بأقوال وأحوال، لم يعاتبهم فيها أحد.
فهذا عبد الله بن عمر –رضي الله عنـه-، روي عنه أنّه كان يتتبّع آثار النبيّ –عليه الصلاة والسّلام-، فيجلس في المكان الذي جلس فيه خليله –صلّى الله عليه وسلّم- في سفره، ويصلّي في المكان الذي صلّى فيه، حتى قيل إنّه لو رآه أحد لظن أن به شيئا، ومن عجائبه أنه كان في طريق مكة يوما، فجعل يقود برأس راحلته يثنيها، ويقول: لعل خفا يقع على خف -يعني: خف راحلة النبي صلى الله علـيه وسلم-.
وهذا أنس بن مالك –رضي الله عنـه- الذي كان يخدم النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- ويلازمه، روى ابن سعد في الطّبقات الكبرى أنّه –أي أنس بن مالك- كان يقول: “ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي”، ثمّ يبكي وتدمع عيناه.
وهذا بلال بن رباح –رضي الله عنـه- مؤذّن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لم يستطع المكث بالمدينة بعد وفاة حبيبه –عليه الصّلاة والسّلام-، فهاجر إلى الشّام، وسكن هناك.. حتّى كانت خلافة عمر بن الخطّاب –رضي الله عنـه- وزار عمر الشّام، فأحاط به أهل الشام ورجوه أن يلتمس من بلال أن يؤذّن لهم، فأذّن بلال –رضي الله عنـه-، فلم يُرَ يوما كان أكثر باكيا من يومئذ ذِكْرًا منهم للنبي –صلّى الله عليه وسلّم-.. مكث بلال –رضي الله عنـه- في الشام 9 سنوات، بعد وفاة النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- كأنّ الدنيا لا تسعه، وحينما حضرته الوفاة بكت زوجته وقالت: واحزاناه، فقال لها: “بل واطرباه، غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه”.
وهكذا كان التابعون الذين لم يروا النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-؛ كان الواحد منه يفرح برؤية الصحابيّ الذي رأى النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- ويغبطه على النّعمة التي اختصّه الله بها، ويتحرّق قلبه شوقا لتكتحل عيناه برؤية من تخفق لرؤيته القلوب وتسعد الأرواح.. هذا أحدهم، التابعي خالد بن معدان –رحمه الله- كان لا يأوي إلى فراشه إلا ويذكر شوقه إلى رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- ومن مضى من أصحابه وآله ويقول: “هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم”.
روى ابن كثير في تاريخه أنّ وفدا من حجاج العراق في العام 394هـ، حينما فرغوا من الحج، عزم أميرهم على العود سريعاً إلى بغداد وأن لا يقصدوا المدينة النبوية خوفاً من لصوص الطّريق، فقام شابان قارئان على عند مفترق الطّريق، فقرآ قول الله تعالى: ((مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِه)) (التوبة: 120)، فضج الناس بالبكاء، وأمالت النوق أعناقها نحوهما، فمال الناس بأجمعهم والأمير إلى المدينة فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم.
وكيف لا تحنّ إلى النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قلوب البشر، وقد حنّ إليه الجذع والحجر؟ كان –عليه الصّلاة والسّلام- يقوم إلى جذعٍ، فلمّا صُنع له المنبر وكان يخطب عليه، سمع الصحابة لذلك الجذع صوتا كصوت العشار فسمعوا من حنينه حتّى كثر بكاؤهم، حتّى نزل النّبِيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم فوضع يده عليه فسكن، وقال-عليه الصلاة والسلام- عن الجذع: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة”.
كان الإمام الحسن البصري –رحمه الله- إِذَا حَدّث بهذا الحديث بكى وقال: “يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول اللَّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- شوقا إلى لقائه فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه”.
يروي الإمام مالك –رحمه الله- أنّه رأى أيوب السختياني –رحمه الله- حجّ حجتين، فكان يرمقه ولا يسمع منه، غير أنه كان إذا ذُكر النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، يقول مالك: “فلما رأيت منه ما رأيت ، وإجلاله للنبي –صلّى الله عليه وسلّم- كتبت عنه” (سير أعلام النبلاء).. وهذا مالك نفسه كان إذا ذُكر النبي –صلّى الله عليه وسلّم- يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك؟ فقال: “لو رأيتم ما رأيت –يعني من شوق من قبلي- لما أنكرتم عليَّ ما ترون”.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post ربيع الأنوار.. مشاعر وأشواق appeared first on الشروق أونلاين.