مشاريع الشباب لماذا تتعثر وكيف تُنهض؟
الأستاذ: حشاني زغيدي ارتبطت مسيرتي الحياتية، منذ صباي، بعالم الشباب واليافعين. بدأت هذه الرحلة وأنا طالب في التعليم الثانوي، ثم نضجت وتشكّلت بشكل أعمق مع اشتغالي بمهنتي. وكان المفتاح السحري لهذه العلاقة المتينة هو العمل التطوعي الميداني في المساجد والجمعيات الخيرية، دون أن أنكر استفادتي الكبيرة من تجربة العمل الدعوي ضمن مؤسساته الرسمية. كل هذه …

الأستاذ: حشاني زغيدي
ارتبطت مسيرتي الحياتية، منذ صباي، بعالم الشباب واليافعين. بدأت هذه الرحلة وأنا طالب في التعليم الثانوي، ثم نضجت وتشكّلت بشكل أعمق مع اشتغالي بمهنتي. وكان المفتاح السحري لهذه العلاقة المتينة هو العمل التطوعي الميداني في المساجد والجمعيات الخيرية، دون أن أنكر استفادتي الكبيرة من تجربة العمل الدعوي ضمن مؤسساته الرسمية. كل هذه المحطات صنعت مني رجلًا قريبًا من هموم هذه الفئة وطموحاتها.
واختياري لهذا الموضوع ليس من باب الصدفة، بل هو استجابة لأكبر معضلة يعيشها شباب ولايتي اليوم. فبالرغم مما يمتلكونه من رصيد علمي وثقافي لافت، إلا أن مشاريعهم الريادية في الغالب لا يُكتب لها الاستمرار. من هنا، جاء هذا المقال ليجسّ نبض القضية، ويحرك إشكالاتها العميقة، ساعيًا لفتح نقاش جاد يهدف إلى دعم هذه الطاقات وتحفيزها لتجاوز حالة التعثّر. وهو ما أكده الأستاذ علي طنطاوي بقوله:
“إنَّ الأُمَمَ تَبْنِي بِشَبَابِهَا، وَتَرْقَى بِهِمْ، وَإِذَا فُقِدَ الشَّبَابُ الْغَيُورُ، فَقَدْ فُقِدَ رأسُ المَالِ وَعُصَارَةُ القُوَى”
عوائق تدمّر المشاريع الناشئة
فُقدان الدعم والتوجيه (الاحتضان):
أولى الكوارث التي تواجه أي فكرة ناشئة هي افتقادها سندًا خبيرًا وداعمًا وموجّهًا. الأفكار، مهما كانت برّاقة، لا تنجح بمعزل عن التخطيط المحكم والتوجيه السليم والتحصين ضد المخاطر المتوقعة. الشاب بحاجة إلى مرشد (Mentor) يشاركه تجربته وينير له الدرب. وهذا واجب على ذوي الخبرة، كما يُذكّرنا الأستاذ طنطاوي:
“وَاجِبٌ عَلَى الكِبَارِ أَنْ يَرْعَوُا الصِّغَارَ، وَعَلَى العَالِمِ أَنْ يُرْشِدَ الجَاهِلَ، وَعَلَى ذَوِي التّجَارِبِ أَنْ يُمْدُّوا بِخِبْرَتِهِمْ مَنْ لاَ خِبْرَةَ لَهُ”
الطموح غير المدروس و”أنانية الفكرة”:
يكمن الخطر في الطموح العشوائي غير القائم على دراسة جدوى واقعية. وغالبًا ما يقترن هذا بظاهرة “أنانية الفكرة”، حيث يرى كل شاب نفسه الأحق بالقيادة والأجدر بالاحتكار، فيحبس فكرته داخل دائرة نفسه، ويستأثر بمحصول المشروع منفردًا، حتى لو كان المشروع جماعيّ المنفعة. هذه الأنانية تقتل روح الفريق، وهي أساس الإخفاق. وفي هذا يقول الأستاذ طنطاوي ناصحًا:”إيَّاكَ وَالأنَانَةَ، فَإِنَّهَا تَفْصِمُ عُرَى الإخَاءِ… تَعَالَوْا نَعْمَلْ مُتَعَاوِنِينَ، وَنَبْنِي مُتَآخِينَ”
التنافس غير الشريف بين الأنداد:
بدلاً من أن يكون التنافس محفّزًا للإبداع والارتقاء الجماعي، يتحول إلى صراع شخصي غير شريف بين أصحاب السنّ المتقاربة. ينشغل الشباب بالتصيد لأخطاء بعضهم البعض والتركيز على إخفاق المنافس عوضًا عن تطوير ذواتهم ومشاريعهم، مما يؤدي إلى هدر طاقات الجميع.
ضعف الإرادة والعزيمة (انعدام قوة الاستمرار):
كثير من المشاريع تتراجع عند أول عثرة أو منتصف الطريق، لتعود إلى نقطة الصفر أو تختفي كليًا. السبب جوهري: ضعف قوة الإرادة والاستمرارية. النجاح لا يحتاج إلى روح التهور، بل إلى نفس طويل وقدرة على المجازفة المحسوبة والتعلم من الفشل. الاستسلام سمة لا تتوافق مع ريادة الأعمال. ولهذا يحثّنا طنطاوي على النهوض مجددًا:
“لاَ تَخَفْ مِنَ الفَشَلِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، إِنَّمَا خَفْ مِنْ أَنْ تَقْعُدَ عَنِ الكفَاحِ وَالجِدِّ. قُمْ وَجَرِّبْ مَرَّةً أُخْرَى، فَالتّجَارِبُ سُلَّمُ النَّجَاحِ”
رفض الانطلاق من الصفر وانتظار القفز إلى القمة:
إشكالية كبرى تتمثل في أن بعض الشباب لا يرضى أن يبدأ من الصفر. يرفض فكرة التدرج ويسعى للمشاريع الضخمة منذ البداية، ظنًا منه أن الأمور الكبيرة فقط هي التي تصنع النجاح. لكن الحكاية مختلفة تمامًا؛ فكل من حققوا مشاريع رائدة انطلقوا من قاع الصفر، وربما لاقوا الأمرّين حتى احتلوا مكانتهم بين الرواد. والحكمة هنا أن:
“اِبدَأْ مِنْ حَيْثُ تَكُونُ، وَبِمَا تَسْتَطِيعُ. لاَ تَسْتَحِ مِنْ أَنْ تَبْدَأَ صَغيرًا، فَالأَشْجَارُ العِظَامُ بَدَأَتْ بُذُورًا، وَالبُحُورُ العُمْقُ بَدَأَتْ قَطَرَاتٍ”
لوم البيئة وإضاعة الوقت في الشكوى:
يسهل على البعض إلقاء اللوم على البيئة غير الداعمة، معتبرًا إياها السبب الوحيد في تعثره. وهي مغالطة تاريخية؛ فالأمم لم تبنَ إلا بإرادات أبنائها التي كانت أقوى من كل الظروف الصعبة. البيئة المشجعة نعمة، لكن غيابها ليس عذرًا. الناجح يبني من الحجر أداة، بينما يرى الفاشل فيها عائقًا. وفي تشخيص دقيق لهذه الآفة، يوجهنا طنطاوي قائلاً:
“لاَ تَلُومُوا الظُّرُوفَ فَهِيَ لَئِيمَةٌ، وَلَكِنِ الْتَمِسُوا سَبَبَ الْفَشَلِ فِي أَنْفُسِكُمْ. الْمُتَفَائِلُ يَبْنِي مِنْ حَجَرِ اليَأْسِ قَصْراً، وَالْيَائِسُ يَهْدِمُ بِمِئْزَقِهِ قَصْراً”
—
خاتمة وتوصيات
هذه الثمرة هي نتاج احتكاك طويل ومرافقة امتدت لعقود. أحببت مشاركتها مع شباب اليوم، راجيًا أن تكون عونًا لهم على تجاوز هذه العقبات.
والخلاصة التي أودّ الوصول إليها هي: أن نجاح المشاريع الشبابية لا يعتمد على الفكرة فقط، بل على قوة الشخصية القائمة عليها. شخصية تتسم بالتواضع لتبدأ من الصفر، وبالحكمة لطلب التوجيه، وبالقوة لمواجهة الصعاب، وبالنضج لبناء جسور التعاون بدلاً من إشعال فتيل المنافسة المدمرة. وهذا يتطلب، كما أراده الأستاذ طنطاوي:”إِصْلاحِ النَّفْسِ أَوَّلاً، وَبِصَلاحِ القَلْبِ، وَاسْتِعْمَالِ العَقْلِ، وَإِقَامَةِ العَمَلِ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الأَخْلاقِ وَالدِّينِ”
علينا كمؤسسات وأفراد أن نعمل على بناء هذه الشخصية، فتلك هي الاستراتيجية الحقيقية لتحفيز الشباب وتجاوز التعثر.